طباعة هذه الصفحة
السبت, 02 أيار 2015 09:06

إخراج جديد

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

المشهد خ\ن

وقفت سيارة الجيب موديل " شيروكي 2015 ", أمام مطعم الفلافل, وما أن فُتح الباب حتى دلقت رائحة العطر الفرنسي خارجاً ثم نزل هو " صاحب النظارة الأغلى عالمياً من نوع " شوبارد" تصميم شركة " دي ريجو فيجن".

كان يلبس " أي هو " قميصاً هندياً مبهرجاً مهفهفاً, وبنطال جنز روسي التصنيع سماوي اللون, وحذاء فرنسياً من الجلد الممتاز. وساعة يد هي الأغلى عالمياً, كانت في يد مالك سعودي كان مهتماً بجمع التحف الأثرية ومات منذ فترة وجيزة ...

ملاحظة على الهامش ( القميص الهندي  المبهرج المذكور أعلاه, اشتراه بالعملة الصعبة, ولو ترجمت هذه العملة الصعبة إلى العملة السهلة لوضع بجانب الرقم عدد من الأصفار طويلٌ نسبياً )

- رفع يده التي يكسوها الذهب من قلة الاستخدام, وأنزل نظارة نوع شو بارد, ونظر بعينين زمردتين تستطيعان أن ترى من دون نظارات أو عدسات ملونة إلى مطعم الفلافل, ثم رفع نظاراته وهمّ بالدخول....

المشهد الثاني  د\ن أيضاً....

هو ( أي صاحب المطعم أو من يشابهه أو يكون منه مماثلة) يلبس ما تيسر له من لباس, بنطالاً فيه من الرقع ما يجعل البنطال بحد ذاته رقعة, وقميصاً فيه من الفتحات يا يجعل جسده جافاً طوال الوقت الحار أمام الزيت الحار, وحذاء أقرب إلى شحاطة من شدة النزعات الداخلية والخارجية ...

بداية أخرى للمشهد الثاني "إذا لم تعجبك البداية الأولى "

رائحة القلي. والمذياع من الستينات ينشر أصواتاً هادئة لأغنية عرب عرب ...

هو, أي " صاحب المطعم " يقلي على نار هادئة, أقراص الفلافل وبقايا عمره الذي ضاع خلف المقلى ... يأتيه صوت فيروز الزاعق من جواله فجأة, ينبه بأن هناك مكالمة واردة, لذلك رفع الجوال بيد, واخفض من قوة الغاز بيد أخرى...

المشهد الثالث, والأخير في القصة...

دخل صاحب النظارة مزهواً بريشة كالطاووس إلى داخل المطعم, وأزاح عن وجهه النظارة فظهرت عيناه بكل وضوح.. وحدث الحوار التالي الذي لم يغير منه حرفاً واحداً, وذلك بسبب زخمه التاريخي..

صاحب النظارة : صباح الخير عمي ..

ماذا يفعل برخت في القصة

 " أتت الفكرة لبرخت أن الناس المعاصرين يتقبلون الواقع إذا عرض عليهم كواقع متغير".

- برتولت برخت, هو شاعر وكاتب ومخرج مسرحي ألماني. يعدّ من أهمّ كتاب المسرح في القرن العشرين. كما أنّه من الشعراء البارزين. ولد عام ١٨٩٨وأسس نوعاً جديداً أو مدرسة جديدة في المسرح، وهو المسرح التغريبي أو الملحمي....

المسرح التغريبي...

نظرية التّغريب تسمى بالنظرية السياسية. وبدأ يستخدم المصطلح التغريب في مسرحية (رجل برجل 1924.. 1926) يقصد بالتغريب: تغريب الأحداث اليومية العادية, أي جعلها غريبة ومثيرة للدهشة, وباعثة على التأمل والتفكير.. بحيث تقدم المادة العادية بطريقة غير عادية, وتحويل المسار بطريقة مفاجئة, وإدهاش المتفرج...

كان برخت يهدف, إلى إثارة وعي المتلقي بغرابة واقعه الاجتماعي وتناقضه، هذا الذي يعرّيه العرض، وإلى إثارة رغبته في تغييره تغييراً جذرياً حتى يستقيم مرةً أخرى ..

فالتغريب هو المسافةً بين المتلقي والخشبة بحيث تحول دون تماهي المتلقي مع الحدث الجاري على خشبة المسرح, ويجعل المتلقي يقرأ الحدث ويبدي رأيه ليشارك في العرض ...

"المُشاهد هو العنصر الأهم في تكوين العمل المسرحي, فمن أجله تكتب المسرحية, حتى تثير لديه التأمل والتفكير في الواقع واتخاذ موقف ورأي من القضية المتناولة في العمل المسرحي ".

- بعض المدارس المسرحية الأخرى..

هناك عدة مدارس مسرحية ظهرت واختلفت اتجاهاتها في إيصال الفكرة, وإيصال الجمال الفني, منها:

المسرح السريالي: ظهر بعد الحرب العالمية الأولى, ويتحدث عن تحرر الإنسان من القيود والتقاليد والأعراف والقيم الأخلاقية لاقتناص الملذات وإشباع الغرائز والشهوات قبل أن يأخذهم الموت والعدم.ويعد الكاتب الفرنسي  " جيوم أبولينير "أول من استخدم كلمة سريالية في وصف عمل مسرحياستعراضي ..تعد مسرحية " اثداء تيريسياس " أول مسرحية سريالية عام 1903.... ( من مقالة  " المدارس المسرحية " لدكتور جميل حمدواي )

المسرح الوجودي: ظهرت المدرسة الوجودية إبان الحرب العالمية الثانية, لتشكك في القيم الموروثة والأخلاق الموجودة والتقاليد والأعراف التي نشأ عليها الإنسان الأوربي, بعد أن كشفت الحرب زيف هذه المبادئ وتدني المثل العليا والقيم الأصيلة.. مثل " مسرحية الذباب " ل " جان بول سارتر " ...

مسرح اللّامعقول أو مسرح العبث:  نضُجت ورُسمت ملامحه الأساسية بعد الحرب العالمية الثانية, بعد الأهوال التي حصلت في هذه الحرب, بعد التهدم الإنساني الذي حصل, فاختل التوازن الإنساني, واختلت الرؤى الإنسانية, فظهرت المفاهيم السلبية والسلبية جداً عن عدم جدوى الفعل الإنساني, وعدم وجود معنى الحياة في الأساس, واضمحلال الأمل. وبما أن الفن كان وما زال مرآة للشعوب كان لا بد من ظهور هذا النوع من المسرح غير المتزن والباحث عن الأمل, كما الإنسان....

اللب, القصة وبرخت ..وماذا يفعل برخت في القصة ...

"تقدم المادة العادية بطريقة غير عادية, وتحويل المسار بطريقة مفاجئة, وإدهاش المتفرج, وتغريب الحدث  "

والآن نعود إلى لب الموضوع وماذا يفعل برخت في القصة, أو ماذا سيفعل برخت في القصة....

إذا طبقنا مدرسة برخت في القصة التقليدية, فسنبتعد عن القواعد الثابتة ونغيّر القواعد, ونقدّم الواقع بطريقة غير واقعية, والمنطق بطريقة غير منطقية, ولكن الأهم أن لا نشوه الفكرة في النص...  أي نغيّر من طريقة إيصال الفكرة, وليس في الفكرة. فالمتلقي أو القارئ في هذه الحال ستصل إليه الفكرة, وسيبحث عن اللّامعقول في القصة, ولماذا القصة بهذا الشكل, وعندما يحدث هذا الحوار الذاتي للقارئ بعد وصول الفكرة الرئيسية, تكون القصة حققت النتيجة المرجوة, بحيث أنها أوصلت الفكرة بطريقة جمالية غير تقليدية....

" هذه القصص لا تًقرأ وتهضم بسرعة, كما القصة العادية, إنما تحتاج إلى تفكيك وتحليل وتبسيط قبل الهضم, ومن هنا تأتي أهمية هذا النوع الجديد من القصص "

فالمهم في هذا النوع من القصة...

1       أن تصل الفكرة بكل سهولة ويسر دون أدنى لبس أو تشويه للفكرة ..

2       أن تكون القصة ممتعة وشيقة وغريبة قدر الإمكان..

3       أن لا تجعل القارئ يتوقع خطوة واحدة إلى الأمام من مجريات الحدث في القصة, وتحويل مجرى القصة بشكل فجائي...

4       أن تُشكل أكبر عدد من الاستفهام, وأكثر حالة من الاستغراب لدى القارئ دون المساس بالفكرة الأصلية...

5       أن نعمل على تحريك الجدل الدماغي والبحث لدى القارئ ما بعد القراءة على أماكن الخلل المنطقي في القصة, وأن نجعل القارئ يصححها من تلقاء ذاته ...

لنضرب عدة أمثلة في هذا النوع الجديد من القصص :

..... قطن منثور...

اللعبة حملت الطفلة وركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن، بعيدا عن أصوات المقصات, وهدير مكنات الحياكة المزعج. وزعيق الآلات العجيب. وعندما وصلت إلى أأمن مكان موجود, والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب, ولم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة. ولكن الذي حدث غيّر كل توقعاتها إلى قطع العاب ممزقة, وقطن منثور … .

صاحب المطعم : صباح النور..

- صاحب النظارة: عمي نحنا إلنا يومين بلا أكل, نحنا مهجرين, وما في معنا ناكل فيك تعطيني أي شي آخذو.. منشان تاكلو أمي وأخواتي الصغار...

نظر صاحب المطعم, بأصحاب النظارة الأغلى ثمناً عالمياً, ودقق النظر في القميص الهندي المبهرج فأشفق عليه, ونظر إلى بنطاله السماوي الجديد فأشفق عليه أكثر, وعندما نظر إلي حذاءه الفرنسي اللامع جعل قلبه يصرخ من شدة الألم. فحمل رغيفين من الخبز وعدة أقراص من الفلافل وأعطاه إياها قائلاً: خذ كُلّ أنت أهلك....الكاتب

شكره صاحب النظارة على عجل, وذهب مسرعاً إلى أمه المحتضرة, وأخواته الذين يمتون جوعاً.... 

 

ملاحظة: يقدم الكاتب رؤية لتطبيق منهج برخت المسرحي "المسرح التغريبي "

تمت قراءته 1213 مرات آخر تعديل على السبت, 09 أيار 2015 19:02
وئام البدعيش

وئام البدعيش : خريج معهد بيطري وموظف في البحوث العلمية 
                   عضو في نقابة الفناني بصفة مساعد مخرج مسرحي 
                   أكتب بعدد من الجرائد والصحف والمجلات الالكترونية والورقية